دور أصول النحو في بناء تصور لساني حديث: مؤتمر "دور التراث العربي اللغوي في بناء تصور لساني حديث"

Research output: Contribution to conferencePaperpeer-review

52 Downloads (Pure)

Abstract

تلاقُحُ العلوم والمعارف ظاهرة حميدة رأينا آثارها على مر العصور في الدراسات اللغوية، فقد استفاد النحويون من أصول الفقه فبَنَوا أصولهم النحوية على غرارها، واستفادت الدراسات النحوية الحديثة من الدراسات البلاغية في العناية بالمقام وربطه بالتركيب والمطالبة بدمج علم المعاني في علم النحو. واستفاد النحاة من علماء المنطق في ضبط حدودهم وتدقيق مصطلحاتهم وتنظيم مادتهم.
وما حدث في الدرس اللغوي العربي حدث في الدرس اللغوي الغربي أيضًا، فكم رأينا من فلاسفة ورياضيين يسهمون في وضع نظريات لغوية جديدة وإحداث تغييرات جذرية في مستوى التفكير اللغوي، فها هو تشومسكي يخرج بالنظرية التوليدية التحويلية ويَشْغَل اللغويين بالبنية السطحية والبنية العميقة. وها هو بيرس يجتهد في التحقيق في مفهوم العلامة والتفرقة بين القرينة (العلاقة المنطقية بين الدال والمدلول) والأيقونة (العلاقة الحسية بينهما) والرمز (العلاقة الاعتباطية بينهما).
ونريد في بحثنا أن نقف على علم أصول النحو، ونستثمرها في بناء تصور لساني حديث، فعلى الرغم مما عيب عليه من إسقاط الفكر الأصولي الفقهي على اللغة؛ فإن أصول النحو وقرينتها –أصول الفقه- لم تَخْلُ من بناء نظري يصلح أن يطبق على الدراسات اللسانية. والعلاقة بين أصول الفقه وأصول النحو أن أصول الفقه تعتمد على الأحكام الكلية اللغوية وتَعُدّها من طرق الاستنباط وقواعد الاستدلال؛ كما أن فهم النص الشرعي قائم على فهم معطيات عدة منها المعطيات اللغوية.
ومن المعلوم أن كل نظرية أو منهج طُبِّق على اللغة إنما كان يعتني بجانب من المعالجة فقط، ودور من الإسهام في بناء التصور اللساني فَحَسْب، فالمنهج الحجاجي كشف عن فروق دقيقة بين العوامل (المقيِّدة لمعنى الجملة) والروابط (بين الحجة والنتيجة أو بين حجتين أو بين نتيجتين)، وهي فروق مؤثرة توضح أن بعض العوامل والروابط تسهم في تقييد المعنى أو فتحه إلى احتمالات عدة. وقبل الحجاج انفتحت النظرية السيميائية على العلامات غير اللغوية، وجاءت التداولية للبحث عن الجانب المنفعي الغائي للغة.
ونحن في بحثنا هذا نود أن نقدم الإسهام اللساني الذي قدمه علم أصول النحو -المبني على أصول الفقه- ونطرح إشكالية إمكان إقامة بناء نظري قائم على هذه الأصول يُوجِّه الفكر اللغوي بمنهج له خصوصيته، ويمكننا أن نتلمس هذا البناء النظري في الأصول التالية:
1) اللغة أسبق من الفكر الإنساني؛ لذا يُعَدّ السماع أول الأدلة النحوية، فإذا عارضه القياس وجب أن يُصار إلى السماع.
2) لا بد للعالِم أن يضع حدودًا مكانية وزمانية لبحثه، وقد اختار النحاة حدودًا مكانية (هي البادية والبلاد العربية التي لم تختلط بالعجم)، وحدودًا زمانية هي الجاهلية ومائة وخمسين عامًا من بعد الهجرة، وبذلك بنوا قواعدهم على هذه البيِّنة؛ ولم يزعموا أنهم أحاطوا بلغات العرب وبلادها.
3) القاعدة تبنى على المطرد، فما كان شاذًّا حُفِظَ للانتفاع به في أمور أخرى مثل تفسير لغات القرآن؛ لكنه لا يُعْتَدّ به في النحو التعليمي.
4) الاستدلال بالمسموع يبدأ بالسماع (مشافهةً أو روايةً)، ثم بالاستقراء استقراء تامًّا (يقينيًّا) أو ناقصًا (ظنِّيًّا).
5) مادامت اللغة تتطور فإن ظواهرها تتحرك، ومتحدثيها يزدادون عددًا عبر العصور، ولا شك أن يدفعنا المنطق العقلي إلى أن هؤلاء المتحدثين قد أحدثوا تغييرات كثيرة في أجيالهم المتعاقبة، مما يدفعنا إلى اعتقاد أن اللغة كانت على أصل معين أكثر تماسكًا وأقل شذوذًا، ثم تحرك هذا الأصل وانقسم وتنوّع وِفْقَ أهواء كثيرة للمتكلمين، ومن هنا ظهرت فكرة الأصل والفرع في النحو.
6) توليد اللغة مطلب أساسي لكل لغة، ولكن إطلاقه بلا قيود يؤدي إلى العبث بمقوِّمات أبناء اللغة الواحدة؛ لذا حصر الأصوليون صُوَر الْحَمْل، وقسّموها إلى قياس علة وقياس شبه وقياس طرد، وفرّقوا بين القياس المقبول والقياس الضعيف (الاستحسان).
7) اتفق الأصوليون النحاة على ترتيب أدلة النحو فقدموا السماع، ثم الإجماع، ثم القياس، ثم الاستصحاب، وجعلوا هذه الأدلة هي الأدلة المعتبرة، وما عداها أدلة ثانوية مختلف في اعتمادها.
هذه أمثلة من أسس البناء الأصولي النحوي، لكن إشكالية بحثنا لا تقتصر على عرض هذه الأسس؛ بل تتجاوزها إلى محاولة التوفيق بينها وبين النظريات اللسانية الحديثة، ومنها أنه يمكننا أن نقابل بين فكرة التوليد عند تشومسكي وفكرة القياس عند النحاة، ونقابل بين العلة في مفهوم النحاة ومبدأ الغائية عند التداولية، وننظر في أوجه العلاقة بين بيداغوجية أصول النحو واللسانيات الوظيفية.
Original languageArabic
Pages29-52
Number of pages23
Publication statusPublished - Apr 22 2015

Cite this